11.2.11

رؤى وتحليلات لنتائج موقف الجيش وتوقعاته



أقول لكم إن ما يحدث اليوم سيكتب في تاريخ مصر بحروف بارزة وسيشكل مستقبل العالم لقرن أو اثنين قادمين .. فما قام به الشباب من دفع لعجلة التغيير كاشفًا الغطاء عن فساد كان قد استشرى وانتشر في مراتب السلطة والإدارة أعلاها وأدناها لا يقل أهمية بالنسبة لمصر والعالم عما فعله جورج واشنطن ورجاله منذ زمن بعيد!!

لقد عاصرنا أيامًا ليست بقليلة، سكت فيها الشعب عن مواجهة الباطل، وجبنت الأجيال عن دحض الفساد والضرب على يد المفسدين ... إن ما نحن فيه اليوم وبحق هو ناتج عن سلسلة طويلة من الأحداث والتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي بدأت منذ عهد محمد علي باشا الكبير باستثمار مضمون العوائد كلف مصر جزءًا كبيرًا من ثروتها وضاع عليها (بعض الشيء) بمعاهدة 1840، تلاه بعد ذلك سياسة إقتصادية غير موفقة لنظام الخديو إسماعيل أغرقت مصر في الديون، ثم كانت الكارثة في قرارات إقتصادية متخبطة بدأتها الثورة بتفتيت رأس المال الوطني (القضاء على الإقطاع) أولًا في عهد الرئيس جمال عبد الناصر ثم إعادة تجميع هذا المال مرة أخرى فيما سمي بالانفتاح بدءًا من عصر الرئيس السادات وانطلاقًا هائلًا في عصر الرئيس مبارك.

إنني لا أنكر أن لكل من زعماءنا وجهة نظر صائبة ثاقبة فيما اتخذ من قرارات، وأنه دائمًا ما كانت هناك خطة وفكر وراء اتخاذ مثل تلك القرارات ... إلا أن تخبطها وتناقضها هو ما دفعنا للتأخر عن الركب في كثير من الأوقات.

على أية حال، فإنه كان ولابد من هذه المقدمة قبل عرض التوقعات عن موقف الجيش وتحليله ... فعلى الرغم من التأثير السلبي لما يحدث في مصر على اقتصادها بوجه خاص واقتصاديات العالم بوجه عام إلى أن تكليل ذلك بالنجاح ودعم سياسة موحدة هو السبيل لتحويل المحنة إلى منحة إن شاء الله.

إن موقف الجيش لا يخلو إلا أن يكون واحدًا من ثلاث:

التوقع الأول (مرجح الحدوث من جانبنا)
أن يخرج الجيش إما قبل صلاة الجمعة بقليل (لتحديد موقفه في مواجهة الشعب قبل المظاهرات) أو بعد منتصف اليوم (سامحًا للمتظاهرين بالتنفيس عما يكنون من غضب) ويعلن تأييده لخطاب الرئيس وأنه سيعمل لمصلحة هذا الوطن وسيراقب الإصلحات عن كثب، ليضمن بذلك صلاح الإصلاح ويعلي من الشرعية الدستورية / العادية

مؤشرات حدوث ذلك كثيرة، منها:
1. أن الجيش ما كان ليخرج ببيان دون التنسيق مع مؤسسة الرئاسة وما كانت مؤسسة الرئاسة لتعارضه
2. أنه بالتحليل الدقيق للصورة التليفزيونية للمجلس الأعلى للقوات المسلحة نلاحظ الآتي:
     أ. لم يتم رفع صورة الرئيس مبارك من القاعة
     ب. لم يجلس المشير طنطاوي ولا رئيس الأركان عنان تحت صورة الرئيس ولا أمامها إنما كانت على يمينهم، بما ينفي توليهم القيادة العليا للقوات المسلحة شخصيًا

وردًا على ذلك فإن موقف المتظاهرين قد يكون:
1. الانصياع لأمر الجيش والعودة لمنازلهم أو البقاء بالميدان في انتظار الإصلاحات
2. مواجهة الجيش وفي هذه الحالة لن تحمد العواقب أبدًا على أيًا ما كان سواء من طرف الجيش أو من طرف المتظاهرين

التوقع الثاني: انقلاب مؤقت
أن يخرج الجيش معلنًا تنحيته للرئيس مبارك وتوليه قيادة البلاد لفترة انتقالية قصيرة ولا يلبث الوضع إلا أن يأخذ واحدًا من أمرين:

الأول: إدارة البلاد لفترة قصيرة (تكرار الوضع الموريتاني)
وفيه يقوم الجيش بإدارة البلاد لفترة قصيرة يقوم فيها بوضع مباديء دستورية عامة ينتخب من خلالها رئيسًا للجمهورية ومجالس نيابية جديدة معتمدًا في ذلك على ما يسمى بالشرعية الثورية، والتي تعني أن الشعب هو مصدر السلطات وأنه من وضع العقد الاجتماعي مع الحكومة وسن الدستور فمن حقه تعديله إذا ما توافرت له القيادة (الجيش في هذه الحالة) والقوة لفرض هذه الشرعية الثورية الجديدة.
مع ذلك فإن مثل هذا الوضع قد يكرر ما حدث في موريتانيا بأن يجعل العالم كله في حالة من الارتياح والإشادة بالدور الديمقراطي الرائع الذي لعبه الجيش والشعب معًا (راجع أخبار الانقلاب الموريتاني منذ 4 أعوام) ثم ما تلبث القوى السياسية أن تتصارع وتسقط النظام مرة أخرى ويبقى الوضع متأزمًا لفترة طويلة يعلمها الله.

الثاني: إسقاط النظام وترك السلطة فورًا (تكرار الوضع التونسي)
وفيه يقوم الجيش فقط بإسقاط الرئيس وحكومته وقد يبادر أيضًا بحل المجالس النيابية .. ثم يترك الحكماء على اختلافهم والمعارضين والمتظاهرين على تناقضهم وتضاربهم لتقرير المصير، معتمدًا في ذلك على شرعية ثورية منقوصة تؤدي بالبلاد إلى منحدر سيء لا خروج منه بسهولة حيث تسقط الشرعية الدستورية ولا يعوضها شرعية ثورية قادرة على فرض نفسها .. تمامًا كما حدث في تونس من إسقاط المتظاهرين لحكومة تلو الأخرى، والله أعلم إلى أين؟!!
** وبالنسبة للمؤشرات فأعرضها بعد التوقع الثالث ..

التوقع الثالث: انقلاب دائم
وهو تمامًا ما حدث في ثورة 1952 وما تلاها من توابع في 53 و56 و71 حيث يقوم الجيش بالإطاحة بالرئيس وحل محل جميع السلطات من خلال حكم عسكري يديره المجلس الأعلى للقوات المسلحة ... وهنا يعتمد الجيش على شرعية ثورية مدعاة لا ناقة له فيها ولا جمل معلنًا أنه القائد الأول والأخير للثورة الموجودة وقاضيًا على كل أحلام الديمقراطية والإصلاح و و و.
إن حكمًا عسكريًا وإن ظهر في أوله قريبًا من الشعب حبيبًا إلى قلبه إلا أنه وبالتأكيد لا يحمد عقباه ولا تُرى مساوئه إلا بعد أعوام عديدة وفي عصور أخرى ... بالضبط ما حدث في ثورة يوليو 1952.

مؤشرات التوقعين الثاني والثالث:
1. أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة اجتمع دون أن يكون الرئيس مبارك على رأسه، وهو ما لا يرقى ليكون مؤشرًا قويًا إلى أن الأمانة في التحليل تفرض عرض وجهة النظر
2. أن الجيش قد خرج في المحطات المختلفة ليعلن عن إنجازاته وخدماته المدنية التي يقدمها للشعب من خلال منتجات وعمالة مدنية وللمدنيين

قولًا أخيرًا
كما رأينا من خلال التحليل السابق فإنه وإن كانت الشرعية هي السبيل إلا أن الجميع ينتظر موقف الجيش بترقب وقلق، فهو كما ترون القول الفصل فيما يحدث مستقبلًا.
وعلى أية حال، فإننا منتظرون لهذا الموقف داعين جميع طوائف الشعب والشباب بتوحيد الصف والدعاء بتسديد الخطا وتقديم الصالح لمصر إن شاء الله.
اختتم ذلك بوجهة نظر متواضعة بأن مصلحة الوطن فوق مصلحة الشعب، وأن ما نفعله اليوم يجنيه أبناؤنا في الغد ... فلندعو الله أن يجنوا الخير

No comments:

Post a Comment